أنت جريح .. وجرحك كبير كعصا موسى .. يبلع كل جراح العالم

نارام سرجون

وأخيراً.. وصلت طلائع الاسلاميين الينا في هذا الشرق.. حملتهم الينا الثورات.. ثورات الحرية والديمقراطية حملت الينا أنفاس الاسلاميين.. وللأسف فانها ليست بالأنفاس العطرة.. نفس كريه من فم مصطفى عبد الجليل ونفس مميت من فم راشد الغنوشي.. وبخار عفن من زفير اردوغان وهاهم اخوان مصر يتجشؤون في صناديق الاقتراع.. وفوق كل هذا نرى قيء رياض الشقفة على أرصفة السوريين.. أنا من يقول هذا الكلام وأنا من كنت يوما أحلم بالاسلاميين يكبّرون ويسبّحون الله في البرلمانات العربية وفي أروقة المؤسسات الحكومية.. كنت على الدوام أعتقد ان الاسلاميين لم ينالوا فرصتهم في عملية ديمقراطية وآن لنا أن نستمع اليهم وأن نصوّت لهم.. وآن لهم أن يقولوا كلمتهم دون أن تعترضهم السجون والمعتقلات.. ولكن الربيع العربي كشف لي كم كانت أحلامي ساذجة  ..ورومانسية.. وغبية 

الأقدار وضعتني أمام مشهدين في حياتي في منتهى التناقض والغرابة…المشهد الأول عندما سمعت باسم راشد الغنوشي أول مرة عام 1987 عندما تناولت صحيفتي “كيهان العربي” الايرانية و”الوحدة الاسلامية”اللتين كانتا توزعان مجانا في دمشق لتأييد الثورة الايرانية وقد خصصت الجريدتان صفحة كاملة عن المناضل الاسلامي التونسي “راشد الغنوشي” ووضعت صورته خلف قضبان السجن الذي زجه به الحبيب بورقيبة ..منذ ذلك اليوم تعرفت على الغنوشي  وقرأته وتابعته باهتمام وتأييد حتى خروجه الى منفاه الأوروبي ..الى أن عاد أخيرا الى تونس ليقود أسلمة المجتمع ويعترف بالمجلس الوطني السوري وينضم للجوقة القطرية القرضاوية.. اليوم عاد الغنوشي اليّ ليس عبر مقالات كيهان العربي بل عبر ثورة غامضة وصناديق الاقتراع ..ولكن لقائي به خلا من الحرارة والانفعال وطغا عليه الفتور والبرود ثم الثلج والجليد .. وندمت على تلك اللحظة التي قرأت فيها عنه وسمعت به..وستكون بالنسبة لي غلطة العمر..

والمشهد الثاني كان عندما تعاطفت مع البيانوني وتأثرت بظهوره في لقاء مع سامي كليب في برنامج “زيارة خاصة” على الجزيرة وقد دمعت عيناه وهو يقول بأن أول ماسيفعله اذا سمح له بدخول سوريا هو أن يزور قبر أبيه !! .. ويومها تمنيت أن أرى صدر الدين البيانوني يرتشف قهوته في مقهى الروضة في دمشق قبل دخوله عضوا أصيلا الى اجتماع البرلمان السوري ..فاذا بالبيانوني الذي بكى لتذكر قبر أبيه … يوسع ويزيد مع صديقه الشقفة من مساحات مقابرنا وموتانا..حتى صرنا نتعثر بالقبور والموتى في طول البلاد وعرضها ..وصار قبر أبيه قبرا لنا جميعا..

اليوم وبفتوحات المسلمين الجدد في ليبيا وتونس ومصر وتركيا سيهدأ الصحابة القلقون في مراقدهم وسيرفع الرسول في الجنة يديه الى السماء قائلا: جاء الحق وزهق الباطل .. وسيجلس علي مع معاوية ويجلس الحسين مع يزيد يحتفلون بعلو الاسلام وارتقائه وموت الفتنة  ..وسنعرف معنى  “اليوم اكملت لكم دينكم “..لأن اكتمال الدين كان بالقرضاوي  .. المنتظر ..وبالغنوشي المنتصر ..

لاأخفيكم أن قلبي يدق بعنف ..وبسرعة ..لكن ليس من لقاء اللحظة التي انتظرتها عقدين كاملين ..وليس من صدمتي بمواليد الثورات العربية ..بل بسبب أنني قررت أن أرتكب جريمة لم يخطر ببالي يوما أن أرتكبها عن سبق اصرار وترصد .. لقد قررت أن أطلق النار على حلمي الاسلامي الذي وصل اليّ وطرق باب بيتي وعندما فتحت الباب ووجدته مخيفا كالمتشردين .. خارجا على القانون ويتعاطى حبوب الهلوسة والمخدرات ويمارس الزنا في باريس ولندن و ..الدوحة ..وتل أبيب ..ولديه أبناء غير شرعيين ..

لاأريد الاستيلاء على آلام الآخرين الذين لايرون ماأرى لكني سأقول ودون تردد أن الربيع العربي قد ارتكب مجزرة في كل افكاري الاسلامية التي عاشت معي زمنا طويلا .. وأنني وجدت نفسي اطلق النار على أحلامي الاسلامية بقسوة ودون تردد ..كما لو كنت راعي بقر يفتك بمسدسه بقرية آمنة من الهنود الحمر..وكما لو كنت باروخ غولدشتاين الاسرائيلي يقتل المصلين في المسجد الابراهيمي ..

بعد الذي حدث وبعد افتضاح لااسلام الاسلاميين وأنهم كغيرهم من طلاب السلطة ..فاسدون يبيعون ويشترون ويقتلون ولامانع لديهم من اهداء صوت الأذان في مساجدنا لمن يوصلهم الى السلطة حتى لو كان برنار هنري ليفي ..بعد كل هذا عرفت أن الحركة الاسلامية قد تم ترويضها بدءا من تركيا الى مصر وقلب الأزهر.. وأنها صارت مثل ممتلكات مزارع الموز الأمريكية وسعرها مثل أسعار خام برنت وأسهم السندات..

بعد هذا الذي حدث ياصديقي .. ماذا يعني ان تترقب الأحداث الثورية حولك في تونس ومصر وليبيا وسوريا وقد صرت تميل الى الصمت؟ .. ماذا يعني ان تقرأ مقالا لكاتب ثم تضع الجريدة بهدوء دون تعليق؟ ماذا يعني ان تجلس أمام جهاز التلفزيون ولاتنبس ببنت شفة؟ ثم ماذا يعني أن تتغير من منفعل حانق تقاطع السطور التي تقرأها بلفظة غاضبة كل سطرين ..ومن مشتعل بالمشاعر وانفلات اللسان بالسباب .. الى كتلة من الرماد بلا نار ولادخان أعصاب ..

لاتحزن ياصديقي ولاتبتئس ان قلت لك: أنت جريح .. وجرحك كبير كعصا موسى  .. يبلع كل جراح العالم

“أنت جريح” .. وللمفارقة الكبيرة .. عنوان جميل لرواية مؤلمة للكاتب التركي (ايردال أوز) كتب فيها تجربة سجين سياسي تركي يتعرض للتعذيب فتتغير شخصيته وتتبلد انسانيته وينتقل اليه شعور الجلاد والسجانين باللامبالاة.. فالسجين الذي يتعرض للضرب المبرح على قدميه حتى تتقاطر دماؤه على بلاط غرفة التعذيب ويتفتت لحم قدمية يرى كيف تأتي عاملة التنظيف لتمسح الأرض ببرود وكأنها لاترى ذلك السائل الأحمر الذي كان قبل دقائق في جسده يمور بالحياة ..ويتعجب من لامبالاة الجلادين بصراخه من رش الملح على جراحه المتهتكة ولحمه النازف المتفتت .. التحولات الهائلة في الروح والأمل والانسان تحدثها الصدمات الكبرى..فتنتهي الرواية بأن يتحول الى سجين بلا ملامح ولاروح ويصبح كغيره من السجناء والسجانين ..بلا ملامح انسانية وبلا اسم

لا يستطيع أي منا هذه الأيام أن ينكر حقيقة أن ماحدث في هذا الذي يسمى “الربيع العربي الاسلامي” قد أحاله الى سجين بلا ملامح وأن الربيع الاسلامي قد أصابه بالجراح .. وأن روحه تخاصمه سواء كان منتصرا ام مهزوما .. وانه كان في غرف التعذيب .. والاستجواب .. والمحاكم الذاتية ..ولايستطيع أحد أن يتغاضى عن حقيقة أن ماحدث ثقبه في قلبه .. وثقبه في حلمه .. اننا غارقون في الأسئلة الغارقة في الأسئلة ! الأسئلة التي تديننا جميعا ..

 أين كانت في مجتمعنا كل هذه الغوغاء التي تسمى ثوارا؟ وهل كان لدينا كل هذا الكم من اللصوص الطلقاء؟ وهل كان لدينا كل هذا الغباء الذي ينتجه مجتمع بدائي حتى يحركه مرة عرعور ومرة أردوغان ومرة روبرت فورد ومرة حمد ومرة عزمي بشارة؟ وهل كان لدينا

كل هذه الرثاثة والهزال الأخلاقي حتى نفرز هذا النوع من المعارضة؟؟

 

هل هذه هي حقا الثورة؟ هل كل الثورات التي تعلمناها وقرأنا عنها كانت تمارس هذه الدناءة ثم يكتب لنا كتبتها أنها ثورة مقدسة طاهرة؟ وهل كل الثورات الي تعلمنا أنها طاهرة كقلب النار ومضيئة كالقبس ..بهذا الاتساخ والسواد؟ وهل لكل ثورة تعلمناها وقدسناها عرّاب في الخارج؟ وبئر نفط ؟ أو سلطان سلجوقي؟ ومفت؟ ولها قتلتها المباركون؟ وهل لكل ثورة نصيب من الجنون والحماقة؟ وهل كل ثوراتنا جاهلة عمياء؟ وهل كل الثورات في جيدها حبل من مسد؟ وحبل من ناتو؟

لاأريد ممارسة الديبلوماسية ولاالكلام المنقوع في الكنايات والتوريات اللغوية .. بل ولم أعد أستطيع مجاملة البعض ممن لايزالون ببراءة يعتقدون أن في سوريا والمنطقة ثورة .. وثوار ..وأن هذا الشرق يمور بالثورة ويزدحم بالثوار ..وسنتحدث بنفس مستوى الصراحة والشفافية التي تعاهدنا عليها وسأقول: انني حزين جدا ومتألم جدا لأنني أكتشف أننا أنتجنا ثورات مليئة بالغوغاء واللصوص والطلقاء والأغبياء ..ومليئة بالسلاح المجنون واللحى ..والكذب والاحتيال .. ثورات مباركة من القرضاوي الكذاب في قطر الى الغنوشي المحتال في تونس .. وهاأنذا أقول ودون تردد: ان كانت قلوب الأنظمة مليئة بالفساد والديكتاتورية التي كرهنا، فان قلوب الثورات العربية مليئة بالشر ..والنفط .. ومليئة بالموساد . ..وسأقول ودون تردد أيضا: انني لم أجد في ثوراتنا شخصا واحدا يمكن أن يكون قائدا .. قادة ثوراتنا صغار ..أخجلوني وأذلوني بضآلتهم من غليون الى الغنوشي..وثورات بلا قادة كبار لن تكون الاقطعانا من الأبقار الوحشية الهائمة على وجهها..

واذا كانت الديمقراطية حلما فانني الآن صرت أخشى وصولها الينا وسأعمل على اغلاق الباب في وجهها لأن الديمقراطية محشوة بالمال وتقبل بالرشوة وتحب الأثرياء والأضواء وتميل لأن تمشي مع من يسقيها الدهاء الاعلامي ..هل سأصدق أن انتخابات حرة في أي بلد عربي بعد اليوم لن تصنعه أموال أبو متعب وحمد وسعد الحريري؟! ..ولن تقوم به الجزيرة والعربية وال سي ان ان وال بي بي سي؟! ..بل ما الفرق بين انتخابات يديرها جهاز مخابرات وبين انتخابات ديمقراطية يديرها مال النفط ؟؟

 

من جديد أيها المواطن العربي لاأملك الا أن أقول لك: أنت جريح.. وجرحك كبير كعصا موسى يبلع كل جراح العالم.. جلادوك يوالون ضربك بالسياط في كل مكان ومن كل مكان.. في الفضائيات وفي الصحف وفي مواقع الانترنت.. بلا رحمة ولاشفقة..

أسئلة متلاحقة كما لو كنت في فروع التحقيق ..لم يختلف السؤال على الاطلاق بل تغيرت المفردات ..فبدلا من: هل أنت ضد النظام؟ صرت تسمع: هل أنت ضد الثورة؟ وبدلا من: هل تتآمر على النظام؟ صرت تسمع:هل تتآمر على الثورة؟ وبدلا من: هل تؤيد العملاء والخونة؟ صرت تسمع: هل تؤيد الفاسدين والقتلة؟ ..وهكذا..أسئلة الثورة مشتقة من أسئلة الأنظمة ..لتبدأ عملية الاستيلاء على غرف التعذيب .. واعتماد معادلة جورج بوش الأزلية: من ليس معنا فهو ضدنا ..ولايوجد وسطية في المواقف ..ولايوجد وطن ..بل مجلس وطني ..ولاتوجد دولة … بل ثورة.. وماأدراك ماالثورة !!!