هل العرب فعلاً أغبياء؟

د. سلوى الخليل الأمين

arab.jpg1181912062طالعتنا الدروب بلهيب نيرانها وسواد دخانها فالانفجارات في العراق تحمل في طيّاتها ألف ألف سؤال والحرب الدائرة في سورية تتماهى على تناثرات رياح هوجاء تحصد الأبرياء في غفلة من الزمان وإيران تضج بملفّها النووي تريد حلاً في أقرب وقت في إطار المعايير الدولية كما قال رئيسها الدكتور حسن روحاني للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في قمة شنغهاي وروسيا ترفع رأسها عالياً لنجاحها في كسر الأحادية الكونية المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية والصين مرتاحة لوضعها الاقتصادي القويّ الذي بات يتحكّم في مسار السياسة الأميركية والولايات المتحدة الأميركية فقدت قدرتها بالسيطرة على دول العالم بعد فشلها في أفغانستان والعراق وقبلهما في فييتنام وكوبا وحالياً في سورية والمملكة العربية السعودية فاجأت الجميع بتقديم ملكها دعوة شخصية إلى الرئيس الإيراني للقيام بحجّ بيت الله الحرام ومسؤول إماراتي عربي في ضيافة روسيا و«إسرائيل» خائفة من صواريخ حزب الله التي جعلتها دولة منكسرة غير قادرة على اجتياحات جديدة وحروب عنقودية كما كانت تفعل في السابق أما لبنان فهو الواقف في فوهة البركان وعلى حد السكين يفتقر إلى مسؤولين أقوياء يعرفون مسار اللعبة الأممية الدائرة حولهم ويتعملقون إلى مصاف رجالات الدولة التي يحتاجها الوطن في الأزمات الحرجة.

فمن المؤسف أن تصبح سورية عند فريق من اللبنانيين والعرب هي العدو الذي يجب أن تضربه أميركا بحيث يتبرع مسؤول لبنانيّ للتمني على أوباما بضرب سورية قلب العروبة النابض بالحياة ثم يستعجل بعض المسؤولين العرب الذهاب إلى فرنسا لمطالبة رئيسها فرنسوا هولاند بضرورة تعزيز قوة العصابات الإرهابية المخربة في سورية من أجل التمكن من مواجهة الجيش السوري النظامي على اعتبار أن صمود سورية بقيادتها وجيشها وشعبها في وجه المؤامرة الكونية والعربية على وجه الخصوص يهدّد الأمن الإقليمي والدولي أما «إسرائيل» فلا تشكل هذا الخطر بنظرهم الوطني بل هي الصديق لوقت الضيق حيث أن قنابلها لم تقتل أطفال قانا ولم تهدم الضاحية الجنوبية في حرب 2006 ولم تجتح مدننا وقرانا وعاصمتنا لهذا فالمطالبة بسحب سلاح المقاومة في حزب الله من الموجبات الوطنية لديهم بل يصب في خانة المصلحة الوطنية العليا!

لهذا لم تُثر اهتمامهم قفشات وزيري خارجية أميركا وروسيا جون كيري وسيرغي لافروف في اجتماعهما الأخير بخصوص سورية واتفاقهما بعد حيازتهما على الضوء الأخضر من رئيسهما بارك أوباما وفلاديمير بوتين على دعم مسيرة الحل السياسي في سورية عبر تفعيل مؤتمر جنيف 2 ولم يتنبهوا إلى أن مسألة تسوية السلاح الكيماوي في سورية هو المدخل للحل السياسي متجاهلين عن غباء أو ربما عن حقد دفين أو عن ضعف في القراءة السياسية الدولية وأهمية التغييرات العالمية التي تتشكل حالياً عبر محورين جديدين سيحكمان العالم هما المحور الروسي المتحالف مع الصين وإيران والهند والبرازيل الضامن بقوة لسورية دولة علمانية آمنة مستقلة ذات سيادة بقيادة الرئيس بشار الأسد ضد القوى الإرهابية التكفيرية والمحور الأميركي الداعم «إسرائيل» والمتأرجح سياسياً والفاشل في حروبه الخارجية والمرهق اقتصادياً في الداخل والمحاصر بآراء الشعب الأميركي رافض العدوان والحروب أيّاً كان شكلها وأيّاً كانت مضامينها.

هذا الصخب الممتد على مدى المطارح المنسلة إشاراته القائمة على التفاهم بين القطبين الروسي والأميركي من البيانات الصحفية والاجتماعات الدولية المتحركة إلى الأمام باتت تنبئ بالفرج القريب بإنهاء الأزمة السورية سياسياً لهذا لا بد من انسلال الخيوط الحوارية من شقوق الجراح التي أهلكت سورية ومن خلفها لبنان الذي جرى وضعه في دائرة الفراغ الإداري الذي لا يحتمل فالانتخابات النيابية عُطّلت والمرشحون الجدد بحسب القوانين المرعية الإجراء اعتبروا أنفسهم فائزين بالتزكية وهذه غرابة لا يفسرها قانون لتاريخه لذا هي مشكلة جديدة وعويصة لا نعرف من سيضع لها حلاً في ما بعد! أضف إلى ذلك وضع الحكومة فمن جهة هي مستقيلة ورئيسها ووزراؤها يقومون بتصريف الأعمال ومن جهة أخرى الوزارات معطلة والإدارات الرسمية لا تملك مؤونة استمراريتها على قيد الحياة وهيئات التنسيق النقابية واقفة بالمرصاد للحكومة ومجلس النواب الممدد له من أجل الحصول على إقرار بتأمين سلسلة الرتب والرواتب لموظفي الدولة وإيقاف الهدر المالي العام وإلا فالطلاب مهدّدون بتعطيل الدراسة وهلمّ ما جرّا حتى الرئيس المكلف ينتظر الفرج والضوء الأخضر لهذا هو في حالة إرباك دائم يقف حائراً بين هذا وذاك في الداخل والخارج والبرلمان معطل يجهد رئيسه باستنباط الحلول لكن لا حياة لمن تنادي فهناك من يعطل مبادرته ولا يقبل الحوار ورئاسة أولى مصيرها الفراغ وفي الوقت نفسه لا تحزم أمرها بالضرب بيد من حديد والعمل على إنقاذ صلاحياتها من أجل حماية الوطن حتى لو اضطرت إلى الإيعاز بانقلاب عسكري أو التوجه إلى حالة طوارئ إدارية تجبر الجميع على تحمل مسؤولياتهم الوطنية نحو الشعب الذي لم يعد قادراً على تحمل خلافاتهم اللامسؤولة والمكشوفة للجميع.

ما يؤسف له أن لعبة الأمم التي تسعى لتثبيت مصالح الدول الكبرى لم تستوعب من بعض المسؤولين العرب واللبنانيين على حد سواء خصوصاً أولئك المراهنين على سقوط سورية ففريق من اللبنانيين والعرب يراهن على قوة معينة وفريق آخر يفعل الفعل ذاته وبينهما الشعب في حالة موت سريري هذا يراهن على عدوان أميركي يسقط النظام السوري ويحقق له الظفر والآخر واقف بالمرصاد لكل تلك التهيؤات التي ثبت فشلها في لعبة المصالح الدولية التي تكشفت أخيراً بعد الاتفاق الأميركي الروسي والإيراني والصيني أيضاً وقبول سورية بالاقتراح الروسي لجهة وجود حل للسلاح الكيماوي الذي يحظر استعماله في الحروب مهما كانت الأسباب والذي باتت صواريخ توماهوك وبدر ورعد وفجر وغيرها أقوى فتكاً منه وأسرع فعالية ولهذا كان قبول المبادرة مشروطاً بوقف تمويل العصابات الإرهابية بالمال والسلاح من قبل بعض الدول العربية والأمور على ما هو واضح تسير في الطريق السليمة.

لهذا فإن الحديث عن الحل السياسي في سورية قد بدأت نبراته ترتفع صعداً وتفاعلاته تمرر إعلامياً عبر تسليط الضوء وبقوة على ممارسات العصابات التكفيرية الإجرامية التي تجري على الأرض السورية ما يدل على أن إبرة البوصلة الأميركية أخذت اتجاهها الصحيح لجهة حل الأزمة عبر الاتجاه لعقد مؤتمر جنيف 2 وهذا ما عبر عنه الوزير جون كيري في اجتماعه الأخير مع الوزير الروسي سيرغي لافروف بالقول: «إن الرئيس أوباما متمسك بالبحث عن حلّ تفاوضي للأزمة في سورية ونحن نعرف أن الروس كذلك نحن نعمل مع بعضنا البعض من أجل إيجاد أرضية مشتركة للتوصل إلى هذا الأمر ونحن عازمون على العمل معاً». لهذا ربما علينا طرح أمام هذه المستجدات السؤال: هل العرب فعلاً أغبياء؟.

البناء

  • JAJATA BAGANA

    وهل عندك شك ؟