المراجعة الضرورية لأجل المقاومة

mepanorama72013

ابراهيم الأمين

لا يحتاج عاقل، مؤمن بالمقاومة، وبحقها في حماية نفسها وأهلها وسلاحها، إلى شرحٍ لمبرّرات مشاركة المقاومة في بعض العمليات العسكرية الجارية في سوريا. كذلك لا يحتاج عاقل إلى من يدفعه إلى شرح المبرّرات لمن يريد أن يفهم، ولا إلى من يحثّه على رفع الصوت دفاعاً عن أشرف مقاومة عرفها العرب.

لكن ثمة ما يجب قوله بصوت عال، وبوضوح، وليزعل من يزعل، وليغضب من يغضب.

قد تكون مشكلة المقاومة، وعنصر قوتها، في الوقت نفسه، أن الآخرين، من البيئة القريبة، ومن الأصدقاء المحبين، أو الأعداء الغاضبين، غير قادرين حتى اليوم على فهم عقل هذه المقاومة، ولا على تفكيك «الخلطة السحرية» بين موجبات العقيدة التي ترتفع في لحظة إلى أعلى درجات الغيب، وبين موجبات العلم والتبصّر ومتطلبات العصر. وبعد ربع قرن من التجربة المحققة، أظهرت المقاومة قدرات فائقة على التكيف مع متطلبات الزمن، ولم ينقصها يوماً الهدوء والتفكير، والبحث عن الأفضل لناسها وشعبها وقضيتها. وهي، في كل اختبار تواجهه، تحرص على تقديم الأفضل.

ورغم اشتداد التآمر عليها، وتوسّع النشاط المعادي لها بكل الوسائل، لم تخضع المقاومة يوماً لابتزاز الأعداء أو الخصوم، بل اخترعت لنفسها، ولمحيطها، ما تيسّر من أعذار، بغية الابتعاد عن المواجهة المباشرة التي تؤذي مشروعها، وقدّمت تجربة خاصة ستبقى في ذاكرة الناس، مهما عمل المغرضون على طمسها، كيوم التحرير الكبير في عام 2000، حين تصرفت بحكمة تتجاوز عمرها وتوقّعات محبيها، وخيبت ظنّ الأعداء. ثم عادت وكرّرت التجربة بأن تجاوزت كل أشكال التآمر عليها من أهل البلد والمحيط في عام 2006. وهي واصلت سياسة الاحتواء هذه مع الأقربين والأبعدين. حتى في السابع من أيار، عندما اضطرت – نعم اضطرت – إلى تحذير الخصوم، اقتصر فعلها على عملية جراحية دقيقة.

في حالة سوريا، لم تكن قيادة المقاومة تحتاج إلى من يشرح لها حقيقة ما يجري هناك. لجأت إلى الصمت في بداية الأزمة، ليس لضعف في التقدير أو القراءة، لكنها كانت تحاول فهم الواقع السوري في مواجهة استحقاق داخلي بهذا الحجم. وعندما بادر مجانين التكفيريين بالهجوم عليها، لم تكن في موقع من يسعى إلى المواجهة. ومع الوقت، لم تكن، كما كثيرون، تحتاج إلى من يدلها على بعد المشروع المعادي. ودرست بدقّة وحذر شكل انخراطها في المعركة إلى جانب أوثق حلفائها في المنطقة وأوفاهم، أي الحكم في سوريا، وظلت تحرص على إبعاد الأمر عن الحدود التي تقود إلى سجال عنيف.

إلا أن النقاش البعيد عن أضواء الإعلام التافه على أنواعه، كان يشير إلى أن الأمور لن تبقى في هذه الحدود. وتطور الأمر إلى ما حصل خلال الشهرين الماضيين في ريفَي دمشق وحمص، وتجلّت صورته الأوضح في معركة القصير والقرى المحيطة بها، حيث تولى مقاتلو المقاومة – بنحو خاص – دوراً مركزياً في احتواء محاولة محور الجنون العالمي السيطرة على موقع جغرافي وديموغرافي وسياسي وعسكري من شأنه تعريض المقاومة لخطر حقيقي.

قال حزب الله، بوضوح، إنه دُفع دفعاً إلى هذه المعركة. وهو أمر حقيقي، مهما حاول كثيرون قول العكس. وعندما كانت المقاومة تشيّع من يسقط في هذه المعارك، كانت تحاول حصر الأمر ضمن حدود تعكس حقيقة أنها تخوض معركة مرغمة.

وكانت ذروة الكلام على دور المقاومة، في الخطاب الذي ألقاه السيد نصر الله في ذكرى التحرير، معلناً بصراحة المشاركة في القتال، واضعاً الإطار السياسي والعقائدي والأخلاقي لهذا الدور. وتحدث بصراحة لا يسمعها الجمهور من أحد غيره.

■ ■ ■

كل ما سبق واضح، ويجب أن يعرفه كل محبّ وكل مغرض وكل من يعادي هذه المقاومة. لكنْ، ثمة أمور يجب أن يعرفها فقط أهل المقاومة، وأبناء شهدائها، وأهالي المقاومين، وجيرانهم ورفاقهم، وهذه الأمور تتعلق بخشية حقيقية من فقدان عناصر قوة، كانت وستظل، شرطاً بنيوياً لقوة المقاومة ونموّها وتجاوزها كل الحدود وكل العقول وكل القلوب.

ما حصل في القصير، وفي مناطق سورية أخرى، ليس عملاً أرادته المقاومة راغبة، بل أُجبرت على القيام به، ودفعت أثماناً باهظة، وباهظة جداً، في سبيل تحقيقه. ما حصل عمل أُجبرت عليه المقاومة مكرهة، ونقطة على السطر.

هذا يعني أموراً كثيرة، في مقدمها أن الدماء التي سقطت لم تذهب هدراً، وأن الذين ذهبوا للقتال هناك ليسوا مرتزقة، وهم يدركون ماذا يفعلون ولماذا هم هناك يقاتلون.

ويعني أيضاً أن ما قاموا به له نتائج فورية تتصل بالصراع القائم فوق سوريا، وله نتائج بعيدة المدى، وسيمر وقت طويل قبل أن يشعر به البقية، ويتجاوز حدود سوريا ولبنان.

ويعني أيضاً، وقبلاً وبعداً، أن سوريا ليست أرضاً معادية، وأن القصير وبقية المدن والقرى السورية ليست بلاداً عدوة، وأن أهلها ليسوا أعداءً، وأن قسماً لا بأس به من المقاتلين ممن هم من أبناء المنطقة ليسوا أعداءً فعليين، وحتى من حمل منهم السلاح، فقد فعل ذلك في لحظة انتماء إلى حالة تعقدت ظروفها. وعلى الجميع الإقرار بأن أخطاءً كثيرة وقعت، تضاف إلى الجهود غير العادية لنقل المواجهة نحو أهداف أخرى، التي بذلها أعداء سوريا والمقاومة، من الأميركيين والأوروبيين والإسرائيليين والحاقدين التافهين في تركيا ودول عربية أخرى، وحشد من الانتهازيين الذين ينتشرون بيننا بأسماء حركية كمثقفين ومناضلين وخلاف ذلك.

اليوم حصل ما حصل. لكن القيمة الاستثنائية لاستعادة القصير من أيدي المجموعات المجنونة، لا تكتمل إلا بعودة أهالي هذه المدينة وأهالي قراها، وفي قدرة المقاومة على أداء دور محوري نحو ترجمة الفكرة الإصلاحية القائمة عند النظام، والسعي بقوة إلى تحقيق مصالحة أهلية تعطّل روح الثأر والانتقام السائدة عند المجموعات السورية المتنازعة، على خلفيات سياسية أو مناطقية أو طائفية أو مذهبية.

قيمة التحدي الفعلي للمقاومة ليست في احتفالات غير لطيفة، إن لم يجب القول أكثر. وليست أيضاً في تظهير لغة فردية، أو غير منظمة، لكنها تعكس عقلاً جمعياً قيد التشكل أو أكثر، وتنطق بمواقف لا صلة لها أبداً بالمقاومة وروحها وهدفها، وتعبّر عن مستوى من الروح الانتقامية والتشفي والثأر والتوعد، وكل ما لا علاقة له بالعدل الذي هو أساس مواجهة الظلم، وهي المواجهة التي على أساسها تقوم فكرة الانتفاض بوجه الظالم، وتقوم عليها فكرة المقاومة.

كيف يعطي أيُّ فرد نفسه حق إطلاق النار، ابتهاجاً أو غضباً، ويسبب مقتل أبرياء، ويمر الأمر من دون محاسبة أو مساءلة؟ بل أكثر من ذلك، يمر الأمر من دون ضمان عدم تكرار الفعلة الشنيعة تلك؟

من الذي يخطر بباله معاقبة جمع من عمال فقراء، أو نازحين، لا علاقة لنا بموقفهم السياسي، فقط لأن ردّ فعل يجب أن يحصل؟

كيف يستوي أننا نقاتل دفاعاً عن أرض وشعب، بينما يخرج منا مَن يشارك في قهر جزء من هذا الشعب، فقط لأن بيننا من هو غاضب الآن؟ هل صار صعباً على هؤلاء التمييز بين الشر والخير، وكيف يستقيم الأمر ونحن غير قادرين على الصراخ في وجه من يعتدي على السوريين في الأحياء والقرى، ويمارس في حقهم أبشع أنواع العنصرية؟

إذا كانت الوقائع تقول إن فريق 14 آذار في لبنان يسعى إلى استغلال الأزمة السورية لاستخدامها في وجه خصومه، وخصوصاً المقاومة، فما الذي يدفعنا إلى تحقيق الأمر، من خلال اعتبار وجود النازحين أو العمال السوريين أمراً غير مرغوب فيه بيننا؟

منذ متى نسي بعض من جمهور المقاومة كلام الله الحاسم بأنه «لا تزر وازرة وزر أخرى»… أم صار لدينا من يعطي نفسه حق الاجتهاد وإعطاء تفسيرات أخرى؟

■ ■ ■

الحرب في سوريا طويلة، وإعادة سيطرة الدولة على المناطق وطرد المسلحين وإفشال خطط الأعداء، تستلزم المزيد من المواجهات والمزيد من الدماء. وعلى الجميع الاستعداد، وخصوصاً جمهور المقاومة، لبذل المزيد من الدماء، وخصوصاً أن توحيد جبهة المقاومة في وجه العدو في سوريا ولبنان، يتطلب الجهد الضخم والهائل. وسنشهد نتائج لهذه المهمة المقدسة. وستفرض نفسها على الجميع، وخصوصاً أن العدو في إسرائيل وفي قلب العقل الاستعماري الغربي، وفي قلب العقل الاستسلامي لبعض العرب، هو من قرر توحيد الجبهة؛ لأنّ عدوه واحد في سوريا ولبنان والعراق وإيران… وأساساً في فلسطين.

هذا يعني أن على المقاومة العودة إلى مراجعة أمور كثيرة رافقت الموجة الأخيرة من القتال في سوريا. هناك دروس وعبر من الميدان، وهي لأهل الاختصاص، ولكنّ هناك دروساً وعبراً من المناخ الأهلي والاجتماعي، وهي مهمة تخص كل من هو معني. وأساس الأمر أن تخرج قيادة المقاومة لتقول كلاماً واضحاً، نهاراً وجهاراً، وليس في جلسات مغلقة، بهدف إعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي المقدس للمقاومة، وتعلن براءتها من كل شذوذ مقيت لمسنا بعض عوارضه في الفترة الأخيرة. كذلك على كل من يحب المقاومة أن يرفع الصوت من دون خجل أو مهادنة أو محاباة أو مواربة، رفضاً لأي سلوك ذي بعد مذهبي أو عنصري أو طائفي؛ لأن في نموّ هذه الموجة ما يطيح البعد الأعمّ لمقاومة ستظل تمثل نموذجاً لكل أحرار العرب والعالم.

ارفع صوتك يا سيد، كرمى لعمتك زينب، وكرمى لدماء أبنائك، ولا تترك مجالاً، حتى لهواء فاسد، أن يعبر في حقولنا!

الاخبار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>