قضية ذلك البيت ليست رمانة بل قلوب مليانة !! – التتمة

مي بيت

يسرى نعمة
نقطة على السطح-  التتمة  —-

كان الرجل المحافظ  يهمّ بالخروج من منزله في ذلك اليوم ليقوم بجولة على مزرعته ومحمية الأسماك، يتفقد فيها سير العمل وأحوال النواطير والعمال والمساعدين، حين دق ساعي البريد باب المنزل وسلّمه الرسالة.

ما إن قرأ الرجل المحافظ الرسالة، حتى ارتسمت على محياه ابتسامة كمن أدرك شيئاً كان قد فقده، او كمن نهض من الأرض منتصباً بعد سقوط مفاجىء،، فقد كشف الرجل من خلالها أن هناك ما يحاك له في الكواليس، وتأكد أن ما سمعه منذ بضعة أيام حول مزاعم  “الصك الضائع” لملكية بيته التي ادّعى بها أحد المرابين من حلفاء المرابي العظيم، لا يمكن الاستهانة بها، لا بل قد تكون تلك المزاعم السوداء هي الرقم السّري المغلّف بالغطاء القصديري في بطاقة الحقيقة، وقد حفّ هذا الغطاء لتوّه وأدرك الرقم السري.

وسرعان ما تذكر صديقه وجاره الودود المتوسط الحال والذي يقطن في طرف الحي، وتربطه به علاقة قربى من البعيد، والذي كان يتعرض لمضايقات من جاره اللدود صاحب مزاعم “صك الملكية الضائع”، والذي كان أحياناً يُغيرُ على بساتينه ليلاً ويسرق محاصيله الزراعية، أو ويسلّط أحياناً أخرى قطيع الماشية على مزرعته لكي ترعى في حقوله المزروعة بالقمح والفول والذرة، فتأكل الأخضر واليابس، الى أن حصلت الكارثة في أحد المرات وأطلق هذا الجار اللدود كلابه البوليسية المدرّبة في بساتين صديقه ما تسبب بمقتل بضعة حراس في مزرعته  والتي كانت مقدمة ليستولى بعدها على بضعة فدادين من أرضه البعيدة، تحت ذرائع واهية، وبدعم من متزعم الحي الكبير المرابي العظيم الشأن الذي تربطه به صلات قرابى رحمية .

وراح الرجل المحافظ يقلّب الصفحات في ذاكرته ويتذكر الشكاوى التي كان يرفعها صديقه الودود ضد جاره اللدود، الى مجلس الحي الأعلى ومتزعم الحي المرابي الأكبر، حول مضايقاته المتكررة، وكيف كان لا يلقى آذاناً صاغية أو اي تضامن معه، سوى الوعد بأنهم سوف ينظرون بقضيته، وأنهم سوف يحققون في شكواه، على أمل استرجاع فدادينه والتعويض عليه، لا بل وصلت معهم الأمور لأن  يلومونه في أحد المرات لمَ لا يعلّي السياج، أو لمَ لا يقدم التنازلات ويبادر في زيارته يوماً ما، او يطلب من زوجته أن تتولى أمر تدبير زيارة الى منزل ذاك الجار المعتدي، بدعوى التخفيف من حدة الأجواء التي سادت بينهما.

 بيد أن الرجل المحافظ  هو الوحيد الذي ساند هذا الجار القريب المعتدى عليه في مشكلته مع جاره اللدود، ولطالما دعمه ووقف الى جانبه يؤازره، يدافع عنه في ساحة الحي، ويطلب من المجلس الأعلى للحي أن يسرّع في تحقيقاته لكي تعاد الفدادين اليه ويعوض عليه خساراته، كما كان يرسل اليه اكياساً من الحنطة والأرز تارة ، وطوراً آخر بذوراً من الذرة والفول، أو يعوّض عليه بالمال حتى يستطيع الوقوف على قدميه.

وبينما هو يقلّب في صفحات ذاكرته توقف عند آخر صفحة فيها ، وراح يتساءل: لمَ عليه اقفال محمية السمك؟ وهي التي بناها أمام أعين الجميع، وتؤمن له عناصر الصمود والعيش الكريم؟، كيف ستصبح عليه الحال اذا اقفلها كيف سيعتاش؟، سوف تتضرر احوال مزرعته كلها، وسوف يتداعى هذا الأمر على كافة أموره وشجونه الحياتية فضلاً عن تراجع نفوذه المحتّم، والذي سيجعله كعصفٍ مأكول أمام المرابين الكبار وعلى رأسهم متزعم الحي المارد الجبار، الذي يحمي كل أصدقائه وجيرانه ممن يخضعون لشروطه في التجارة والاقراض والاقتراض، وكيف أنه سوف يصبح ضحية اذا ما خسر نفوذه، مثلما حصل مع هذا الصديق الودود والذي لا يزال حتى الآن ابنه يعاني من عضة كلب بوليسي في قدمه، جعلته يدخل العناية الفائقة مراراً وتكراراً.

توجه الرجل المحافظ الى مزرعته والتقى بحراس المزرعة وموظفي وعمال محمية السمك، وعقد معهم اجتماعاً طارئاً، ووضعهم في صورة الرسالة الأخيرة، فقال قائلهم:”إن أوقفت محمية السمك لسوف ينقرض هذا النوع من السمك، ويصبح غالياً في الاسواق ولسوف يتحكم بسعره من لديه نفوذ واتصالات اكبر مع الأحياء الأخرى الموردة لأنواع الأسماك الأخرى المنافسة، وهذا ما يملكه المرابون الكبار، ولسوف نصبح جميعاً سمكة صغيرة في فم تلك الحيتان الضخمة”.

وقال آخر:” لمَ لا نطلب من المجلس الأعلى للأحياء ارسال وفد ليتأكد بنفسه وبعينه، بأن هذه المحمية لا تتسبب باي ايذاء للبيئة او اي خطر على البرّ او البحر؟”
وتعددت الخيارات المطروحة، وتوالت الاقتراحات، الى ان توصل المجتمعون الى قرار بتوسعة مشروع محمية السمك بدل إقفاله، وبالطلب من المجلس الأعلى للأحياء لكي يرسل وفداً من مهندسي البيئة والحياة البحرية، ليتأكد بنفسه ان ليس هناك اي مخاطرناتجة عنه لا على الأحياء ولا الأموات حتى.

وفي اليوم التالي بلّغ الرجل المحافظ  مجلس الحي الأعلى بالقرار الذي توصل اليه المجتمعون، وعلم في ما بعد متزعم الحي بالقرار، وثار جنونه، وسرعان ما رفع الهاتف واتصل بالرجل المحافظ وراح يهدده بقطع الأرزاق عنه ، وبأنه سوف يفرض على جميع الجيران وأهل الحي والأصدقاء في الأحياء المجاورة، بعدم الشراء اي منتج او محصول منه ، وسوف يحصل على اذن بذلك من مجلس الحي الأعلى، فعضوية المجلس تتألف من أصدقائه في الحي والمرابين الكبار الاصدقاء من الاحياء الأخرى، لا بل هدده بتسليط جاره اللدود على أراضي وأرزاق صديقه الودود المعتدى عليه، إذا ما استمر بنهجه في تطوير محمية السمك. غير ان الرجل المحافظ لم يستسلم له أو يذعن، ولم يصدرعنه اي وعد بالتراجع عن خطته، لا بل حضّر نفسه لكافة الاحتمالات المتوقعة منه، وأعدّ له العدة اللازمة .

مزيرعت

وفي اليوم التالي كان الرجل المحافظ يرتشف قهوته الصباحية ويقرأ صحيفته في شرفة المنزل بصبحة زوجته، وإذ به يلمح الحارس يفتح بوابة الحديقة أمام عائلة مؤلفة من أم وبضعة أطفال وشابتين وشابين ويدعهم يدخلون. وقف الرجل بانتظار اقتراب تلك العائلة ليعرف من هي ، وراح يتبادل النظرات وزوجته مستغربان هذه الزيارة المفاجئة،، ما هي الا لحظات وتصل هذه العائلة ، يسلم الجميع على بعضهم، يدرك الرجل فجأة ان شيئاً ما حصل لزوجها،، فقد تعرض زوجها وهو قريبه وصديقه الودود لهجوم اثناء وجوده في المزرعة من قبل مجموعة من الشبان الغرباء فأردوه قتيلاً، وعليه فقد قررت ترك منزلها في المزرعة حيث لا يمكنها  البقاء فيه بعد أن قتل زوجها، وهي تشعر بأنها مهددة لطالما وجدت في ذلك المنزل.

وهكذا تُرِكت المزرعة مشرّعة بعد ممات الزوج الوفي، يديرها مجموعة من الحراس والنواطير، منهم ما يؤتمر مباشرة من الرجل المحافظ من البعيد، ومنهم ما يؤتمر من أبناء وموظفي الجار اللدود، وصاحب النفوذ الأكبر في الحي المرابي الكبير.

وحتى كتابة هذه السطور لا يزال هذا المنزل مهدداً ، ويبقى اللدود موجود، والمرابي الكبير صاحب النفوذ بجبروته يفوز، ولا يزال هؤلاء الجيران يخشون كل صاحب سلطان، ويتبضعون من المرابي الكبير، وتوقفوا عن شراء السمك واللحم والحبوب من الرجل المحافظ، بعد ان حظّر عليهم ذلك متزعّم الحي، ورغم أن الوفد الذي ارسل الى محمية سمك الرجل المحافظ في ما بعد بأمر من المجلس الأعلى للأحياء، أثبت تقريره وغيرها الكثير من التقارير ان لا شيء يثبت وجود أية أذية للحياة البحرية والبرية، لكن وعلى ما يبدو لا أحد يقرأ تلك التقارير أو لا يعبأ لها أصلاً، لأنه يعرف الحقيقة مسبقاً، فالمشكلة ليست في الرمانة بل بالقلوب المليانة!!

 انتهت