سرُّ الرقم ” 5 “: قَلَبَ المُعادلات وسيُغيِّر العالم!

أمين أبوراشد

لارةىلامنذ يومين فقط، إستفاق أمين عام الجامعة العربية نبيل العربي من غيبوبة اللاوعي السياسي، وأعلن أن الأزمة السورية أعادت استحضار الحرب الباردة، التي كانت قد بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، بين حلف شمال الأطلسي الـ “ناتو” بقيادة الولايات المتحدة وعضوية بلدان أوروبا الغربية، وبين حلف “وارسو” بقيادة الإتحاد السوفياتي وعضوية بلدان أوروبا الشرقية، الى أن وضعت هذه الحرب أوزارها بعد انهيار الإتحاد السوفياتي ومعه المعسكر الشيوعي الموالي له في أوروبا، وتفرّدت الولايات المتحدة بأحادية حكم العالم عقوداً من الزمان.

عاد الدبّ الروسي الى الساحة العالمية عبر حلف جديد تحت مسمّى مجموعة “البريكس”، وغريب أمر هذه المجموعة مع الرقم “5” !!، لأنها كانت مكوّنة من أربع دول هي روسيا والصين والهند والبرازيل وغدت خمساً بضمّ جنوب إفريقيا مؤخراً إليها، وباتت تمتلك 50% من القوة النقدية العالمية وتشكّل خُمس الإقتصاد العالمي وعدد سكانها بدأ يُقارب 50% من سكان الكُرة الأرضية.

في الذكرى الخامسة لتأسيسها، عقدت هذه الدول الخمس إجتماع قِمّة بالمناسبة، في رحاب جنوب إفريقيا التي تحمل الرقم خمسة من حيث تسلسل إنضمامها والرقم خمسة من حيث القوة
الإقتصادية والسياسية والعسكرية بين دول المجموعة، وبحثت القِمّة الوضع في خامس دولة يغزوها “الربيع العربي” التي هي سوريا، وانتهت الى مقررات حازمة وجّهتها الى الأمم المتحدة والى مجلس أمنها الذي تحكمه الدول الخمس الكبرى ذات العضوية الدائمة المحتكرة لحق النقضّ الـ “فيتو”، ورفع وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف يده اليمنى وإنبسطت أصابعها الخمسة في إشارة تحذير: على الأمم المتحدة أن تتحمل مسؤولياتها بوقف تدخّل الدول في الشأن الداخلي السوري، ووضع بذلك خطاً أحمراً بوجه الدول الخمس الأكثر تورطاً في الحرب على النظام السوري : أميركا ، بريطانيا، فرنسا، تركيا وقطر، إذا اعتبرنا الخامسة تستحق تسمية دولة.

ونعود الى نبيل العربي وربيع العربان ونترحّم على جامعة عربية انتهت ككيان سياسي الى غير رجعة، وانقسم العالم العربي بدوره الى محورين والحرب بينهما ليست باردة على الإطلاق.
محورٌ خليجيّ موالٍ لأميركا، مرتكزاته عائلاتُ ملوك وأمراء النفط، بقدرات مالية هائلة موّلت وتموّل عمليات الإنتحار الجُماعي على أرصفة “الربيع العربي”، في مواجهة النظام السوري المدعوم سياسياً فقط من دولة عربية واحدة هي الجزائر، ودعم نصفي وجزئي من العراق، ودعم ضائع بين النأي بالنفس وبين التورّط الى آخر نَفَس من لبنان، وبلغت المنطقة يوم أمس بالذات حافة الصراع الوجودي، ببلوغها الشروخ البركانية وخطّ الزلازل التي هدّد بها وحذّر منها الرئيس السوري بشار الأسد.

تقدّم ميدانيٌّ نوعيٌّ على أرض المعارك للجيش السوري في محوري القصير ومحيط ريف دمشق، ضيّق الخناق على معارضي النظام والداعمين لهم، حتى وصلت الأمور بجبهة النصرة الى حد التهديد بتدمير بيروت، اذا لم يوقف الرئيس سليمان خلال مهلة 24 ساعة تدخّل حزب الله في الحرب الدائرة في سوريا على حدّ زعم هذه الجبهة، والرسالة/ الفيديو التي وجّهها الرئيس المستقيل للإتلاف السوري المعارض معاذ الخطيب الى السيد حسن نصرالله، والتي تضمنت وجدانيات دينية ومناشدة بلغت حدّ تحميل حزب الله “وِزرَ استمرار هدر دمّ الأبرياء من قِبَل النظام، يُضاف الى هذين الحدثين ما يحصل من مؤشرات حربٍ مذهبية مُعلنة للمرة الأولى في العراق بين السنّة والشيعة على خلفية سقوط 26 قتيلاً في منطقة الحويجة داخل مخيّم اعتصام سنّي مُعارض للمالكي.

أرادها العرب لأنفسهم حرباً ساخنة مدمّرة، على أرضهم الزاخرة بالتنوّع الإتنيّ والعرقيّ والمذهبيّ، وفُتحت الأمور على احتمالات حربِ استنزاف بين أميركا والناتو وتركيا والدول النفطية من جهة، وبين قوى الممانعة المتمثّلة بسوريا وإيران والتنظيمات المُقاومة لإسرائيل، ودخلت دول “البريكس” كلاعبٍ أساسي قويّ سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ولم يدرك العرب بعد أن المسألة السورية أبعد من إنتصار بشار أو إنتصار الثوّار، وأبعد من تمثيلية نصب الباتريوت من قبل الناتو في تركيا، وقدوم قطع الأسطول الروسي الى طرطوس لأداء دور توازن الرعب، وما زالت دويلة قطر ذات الثلاثمئة ألف نسمة تظنُّ نفسها لاعباً رئيسياً في المنطقة، بينما إتصالات لافروف وكيري تتركّز على صفقة بسلّة كاملة تضم الأزمة النووية في كوريا الشمالية والتخصيب النووي الإيراني ومصالح روسيا في سوريا التي تعتبر المعقل الأخير لها في المنطقة، وما زال ملوك وأمراء العربان يحلمون بأن أموالهم ستغيّر وجه العالم، في عالم إستعاد توازنه بمعادلة جديدة انهزمت فيها الأمم المتحدة، وانتهى دورها ككيان دوليّ فاشل يتكىء على آحادية أميركا، بمواجهة إتحاد أُمَم، ضمن مجموعةٍ تحمل الرقم خمسة…..

التيار