تأملات في قصيدة “الى عرفات الله” لرياض السنباطي

سمر محمد سلمان

تأملات في قصيدة “الى عرفات الله” لرياض السنباطي

قصيدة “الى عرفات الله ” من روائع القصائد الدينية التي برع في تلحينها أستاذها بلا منازع رياض السنباطي …الذي استطاع , بعبقرية فذة , أن يعبِر بالموسيقى ,كما عبَر أحمد شوقي بالكلمة , عن حالة النفس التي تتهيأ لزيارة بيت الله الحرام و عن انقطاعها عن صخب الدنيا والارتقاء الى حالة من الصفاء و الزهد , بزهد مماثل في الزخارف والنمنمات الموسيقية..عبر لحن هادىء يسير ببساطة مهيبة وجلال وقور على وقع تلك القوافل التي تحمل المشوقين الى البيت العتيق بفؤاد يخشع وبعين تدمع , مفتتحا القصيدة اللحنية بمقام راحة الأرواح الذي لا يحتاج الى كبير جهد لتحديد معالمه فاسمه خير دليل عليه بل لعله من أكثر المقامات لصوقا باسمه و تحقيقا لمعناه …ف”راحة الأرواح ” هو حقا راحة للأرواح والقلوب …لا تستمع اليه الا ويصيبك نوع من الطمأنينة كأن جناح ملاك حط على أمواج قلبك فيهدأ ..

ويبدو أن خيال السنباطي المرهف الحساس والشفاف جعله يبدأ براحة الأرواح يصحبه ايقاع سماعي ثقيل….. لتهيئة المناخ الذي سيحملنا اليه لنلج في صحبته عالم التواقين الى زيارة البيت العتيق وهم يتهيأون للرحيل , وما يصاحب هيئتهم من وداعة وانسلاخ عن الدنيا ومتعلقاتها المادية التي طالما حجبت عنهم جوهر الأشياء وحالت دون بلوغهم مرتبة الاحسان … هي استراحة المحارب الذي يلقي أسلحته عن يدٍ و يمضي بهدوء ليبدأ رحلة التسليم لله وحسن الادراك بأن العودة الى الله هي سبيله الوحيد للنجاة.

تبدأ القصيدة من الطبقة المنخفضة التي تتصاعد بهدوء متدرج كأنها تحاكي رحلة الصعود الشاقة الى قمة عرفات ..لعلها رحلة الى العرفان و عروج النفس الى المقام الأسمى ..الى التطهر والتخلص من أدران الدنيا وذنوبها …

ثم ينتقل السنباطي الى مقام البياتي ليكون هو المقام المسيطر في متن القصيدة لما يتميز به من حيوية تناسب حركة الحجيج أثناء تأدية الفرائض …

معرجا بحساسية مرهفة على مقام الصَبا في الأبيات التي تصف التذلل لله سبحانه وتعالى والخشية من غضبه ..والاقرار بالذنب وما يحمله من ندم صادق وألم مشوب بذكريات آثمة يحدوها أمل يتأرجح بين الخوف والرجاء متطلع الى انعتاق النفس خفيفة صافية من جسد ثقيل .. كدر ٍ.. تغشاه الذنوب .. وهل أجدر من مقام الصَبا تعبيرا عن أشجان النفس ولوعتها ؟

تواصل القصيدة اذاً التعبئة الروحية صعودا حتى تصل الى الذروة التي أختار لها السنباطي بعبقرية كاشفة وذائقة رفيعة وفهم عميق كلمة “محمد ” لتكون الكلايمكس أي ذروة الشحنة العاطفية الايمانية وكأنها تتويج لرحلة الصعود الى قمة الجبل ..الى المعرفة والعرفان والغفران حيث يتربع الشفيع محمد .. …فمع كلمة محمد تصل القصيدة اللحنية الى قمتها التعبيرية عن الشحنة الروحانية التي يبلغها الحاج في ختام المناسك …

ليختم أخيرا بالعودة الى مقام راحة الأرواح .. ليضع رحلة الحاج المعتمر بين قوسين من الراحة والسكينة تحيطان بمخاض التطهر والانعتاق العسير من جسد الذنوب ..قوس البداية راحة الاقرار والتسليم… وقوس النهاية راحة اليقين بالعودة الى طهر البدايات كما ولدته أمه …

قصيدة “الى عرفات الله “من الأعمال الكلاسيكية الرائعة لرياض السنباطي حيث الاتزان والوحدة والبناء المحكم والتناسب والبساطة المهيبة والجلال الوقور…

أما أداء أم كلثوم فلا يقل اعجازا وفهما لروح النص من لحن السنباطي … حيث الجلال والجمال والوقار الذي يعبِر عن وقار من يتهيأ للحج ..

لقد أعتمد السنباطي على صوت أم كلثوم اعتمادا كليا فصوتها هو الحاضر المهيمن تماما على العمل ككل…حتى نكاد نظن ان ما تؤديه محض ارتجال ….فالقصيدة مناجاة بين العبد وربه ..لذا لا نكاد نسمع الا همس الموسيقى المصاحبة لأداء أم كلثوم ..فيما تعزف الوتريات والايقاعات بزخم في اللوازم التي تفصل بين المقاطع وكأنها تعبير عن المشهد الكلي للحج والحجيج في خلفية هذا التضرع الخاشع وتلك المناجاة الفردية

يبدو جليا من أداء أم كلثوم أنها فهمت النص فهما عميقا ..فهدأت حيث يستوجب المقام الهدوء واضطرمت نبرات صوتها حرارةً ولهفة حين اشتعل النص الشعري اضطراما .. فنجد أم كلثوم تغني بشحنة روحية عالية ..تقتصد في الزخارف وتؤدي بسلاسة دون اللجوء الى استعراض مقصود للقدرات الصوتية ..فمقام الزهد ينبذ التباهي والافتعال ولا يصغي الا الى صوت الحقيقة البسيطة الواضحة الساكنة في كل قلب مُبصر..

لعلها بلغت قمة روعتها في أدائها للأبيات التي تعبر عن حالة التذلل الى الله والخشية من الذنوب ..في المقطع الذي أختار له فكر السنباطي مقام الصَبا ليضفي على روعة النص روعة اللحن المنبثق من حروف شوقي والمنسكب في جوهر معناها ومبتغاها …

ولا حملت نفسٌ هوى لبلادها….كنفسي في فعلي وفي نفثاتي

وقدمت أعذاري وذلي وخشيتي….وجئت بضعفي شافعا وشكاتي

وأنت ولي العفو فامحُ بناصعٍ من الصفح….ما سوَدتُ من صفحاتي.

“الى عرفات الله.”.. أنشودة الروح المشوقة الى البوح والمكاشفة و التطهر .. لمثلث العبقرية الذهبي في تاريخنا الموسيقي والأدبي ..أحمد شوقي …رياض السنباطي …أم كلثوم

بانوراما الشرق الأوسط