عدنان محمد العربي

السياسات الخليجية في لبنان تطلق الصراع المذهبي – الإقليمي
تبدو مواقف دول الخليج العربية إزاء الوضع اللبناني متعارضة في الآونة الأخيرة بين محرض على، أو “متخوف” من اشتعال الفتن المذهبية، وبين مشجع لإحياء طاولة الحوار الوطني تحاشياً لحرب أهلية قد تتجاوز الداخل اللبناني إلى سورية، وربما تشعل الصراع السني – الشيعي على المستوى الإقليمي، غير أن هذا التعارض الشكلي في المواقف ليس أكثر من توزيع للأدوار، تنفيذاً لأجندات “إسرائيلية” وأميركية لا تخفى على أحد.
ففي أعقاب سلسلة الأحداث التي شجعتها ومولتها معظم الدول الخليجية، بإيحاء مفضوح من المسؤولين الأميركيين، والتي جاءت بمعظمها بوالين اختبار لثلاثي الدولة والجيش والمقاومة، بدءاً من طرابلس وعكار، وصولاً إلى أحياء بيروت، ومروراً بخطف زوار العتبات في إيران، في حلب، توهّم قادة الخليج أن الاصطفافات السياسية للحرب الأهلية، وشروطها العسكرية على الأرض قد تهيّأت ونضجت، خصوصاً مع انتشار السلاح العشوائي بين أيدي ميليشيات “الإسلاميين الجدد”.
في ضوء هذا التصور الخاطئ، تأتي رسالة الملك السعودي إلى الرئيس ميشال سليمان، والتي تضمنت أيضاً رسم خط أحمر بحماية السعودية للطائفة السنية، لا حرصاً على السلم الأهلي، بل من باب المراهنة على أن التوازن العسكري المستجد، الذي ساهمت في خلقه دول خليجية أخرى، قد يتيح للقوى المعارضة ابتزاز حزب الله، من خلال تخييره بين التخلي عن السلاح، أو الانجرار إلى حرب أهلية طالما حرص الحزب على تجنبها بكل الوسائل.
إن تورط بعض دول الخليج في الساحة اللبنانية يظهر بوضوح، من خلال إدارتها لبوالين الاختبار على عدة جبهات، أولها على صعيد استغلال الأزمات الاقتصادية بمنع رعاياها من السفر إلى لبنان، لضرب الموسم السياحي وسوق العقارات الجامد منذ فترة، وتهديد اللبنانيين العاملين فيها بالفرز المذهبي، وطرد غير المرغوبين فيهم، الأمر الذي قد يتسبب بكارثة اقتصادية لا تستطيع حكومة نجيب ميقاتي تحملها، فتضطرها إلى إرضاء الخليجيين بالتخلي عن سياسة النأي بالنفس تجاه الأزمة السورية.
والاختبار الثاني طال مؤسسة الجيش وبعض الأجهزة الأمنية الأخرى، من خلال الدعم السياسي والمالي واللوجستي للفوضى والحركات المسلحة في الشمال، والتي نجحت بإحراج مؤسسات الدولة الأمنية على أكثر من صعيد، تمهيداً إما لإخراجها كلياً من بعض المناطق، أو ضرب هيبتها وشل فعاليتها، أو تقسيمها على أسس مذهبية وطائفية.
أما الاختبار الثالث فقد حصل من خلال الهجوم على مركز التيار العربي في بيروت، وخطف الزوار اللبنانيين في حلب، وكان المقصود منه معرفة مدى استعداد حزب الله للدفاع عسكرياً عن حلفائه من “سُنة المقاومة”، وكيفية تعاطيه مع الدول المتورطة بالملف السوري، ومع المسلحين السوريين، ومدى انخراطه في الأحداث الجارية في سورية.
إن الخطاب التحريضي وشحن الغرائز المذهبية والطائفية التي تبثها وسائل الإعلام الخليجية على الصعيد الإقليمي، وبشكل خاص بين صفوف الشعب اللبناني، عرّض لبنان على الانقسام، وأشاع جواً من الريبة والخوف بين المواطنين، الأمر الذي أعاق جهود التوحيد والتوافق حول مبدأ الدفاع عن الوطن، ومقاومة العدو الرئيسي والتصدي للهجمة الإسرائيلية – الأميركية.
في ظل وقائع استهداف ثلاثي الجيش والشعب والمقاومة، تصبح دعوة السعودية إلى إحياء طاولة الحوار جزءاً مكملاً لمجمل الاختبارات، ووسيلة لجني ثمارها وتظهير الخلافات، بدلاً من ترسيخ الوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي.
وإذا كانت معظم القوى السياسية، وعلى رأسها حزب الله، قد رحبت بالحوار، فهذا لا يعني أن بقية دول الخليج ستكف يدها، وتنهي مساعيها لجعل شمال لبنان “المنطقة الآمنة” التي تبحث عنها الولايات المتحدة لنقل السلاح والمقاتلين إلى سورية.
صحيح أن قوى 14 آذار، التي رفعت سقف مطالبها بإسقاط الحكومة كشرط لقبولها بالحوار، تراهن على الميليشيات المسلحة في الضغط على قوى المقاومة، لكنها في نفس الوقت تصرح بعدم قدرتها على ضبطها وترشيدها، فمن غير الممكن أن تثق المقاومة بخطوة الملك عبدالله ما لم تظهر السعودية، ومعها جميع دول مجلس التعاون الخليجي، استعدادها لضبط الشارع الذي تدعي أنها تدعم قياداته السياسية، لكن تتذرع بعدم قدرتها على لجم ميليشياته التي تتلقى الدعم والتمويل من معظم الخليجيين.
قد تريح عودة السعودية إلى التعاطي مع الملف اللبناني جو الاحتقان إلى فترة محددة، لكن الهدوء المفترض لن يدوم طويلاً، لأن عناصر الأزمة المحلية هي نفس العناصر المكونة للهجمة الصهيونية – الأميركية على المنطقة، وبعكس ما يروجه بعض المراقبين والمحللين، فإن المسؤولين في الولايات المتحدة ودول الخليج، وعلى رأسها المملكة السعودية، ليسوا حريصين على استقرار الوضع الداخلي، بل إن سياساتهم اليومية تكشف نواياهم الحقيقية في جعل لبنان ساحة لتأجيج الصراع السُّني – الشيعي على المستوى الإقليمي.
الثبات