لماذا طرد السفراء السوريين في هذه المرحلة : قراءة في الخلفيات والأبعاد

علي يوسف حجازي

لماذا طرد السفراء السوريين في هذه المرحلة : قراءة في الخلفيات و الأبعاد

سوريا الى أين ؟ سؤال تردد على لسان الكثيرين خلال اليومين الماضيين نتيجة التصعيد الحاصل على الأرض و في الإعلام على خلفية المجزرة التي أرتكبت في الحولة بريف حمص و ما تبعها من طرد لسفراء و بعثات الديبلوماسية السورية من العديد من الدول الأوروبية و معهم الولايات المتحدة الأميركية وقد يسأل سائل هل دم أطفال الحولة أغلى و أعز على أصحاب القرار في تلك الدول من دماء عشرات الألاف من السوريين الذين يتهمون النظام بقتلهم أم أن صلات قربى تربط بين هؤلاء و أبناء تلك القرية التي أرتكب فيها الفظاعات على يد عصابات مسلحة لا يريد الغرب أن يعترف بها هذه المرة لأن المصالح لا تقتضي هذا بأي شكل من الأشكال .

بالدرجة الأولى دعونا نتفق على أنه لا يمكن فصل المشهد السوري عما يطبخ له في كواليس الدوائر المعنية بملفات المنطقة و في طليعتها الملف النووي الإيراني الذي يترنح بين خيار التسوية أو الصدام فينعكس مباشرة على مسار الأزمة التي تعصف بدمشق فنراها تارة تتجه نحو التصعيد وطوراً نحو التهدئة فتجد تصريحاً لمسؤول عسكري أميركي يتحدث عن إتهام القاعدة بالوقوف خلف التفجيرات التي ضربت العاصمة السورية و يحذر من تسليح المعارضة و يستبعد خيار التدخل العسكري ليعود و يتبعه بعد أيام معدودة بيان للخارجية الأميركية يدعو الرئيس الأسد للرحيل و هذا لا يعني أبداً أن أميركا لا تعي ماذا تريد أو أنها لم تقتنع لحد الأن بأن روسيا حتى لو خسرت كل مصالحها لن ترتضي خسارة حليفها الإستراتيجي في الشرق الأوسط كما أنه واهم من يظن أن الإدارة الديمقراطية للبيت الأبيض يمكن لها أن تدخل بمغامرة عسكرية في سوريا بشكل مباشر أو عبر مقاتلين لا يعرف توجهاتهم الحقيقية قبيل إنتخابات رئاسية يعرف أوباما جيداً أن حظوظه فيها إرتفعت بعيد إعلانه الإنسحاب من العراق فيما الناخب الأميركي يبحث عن ما يحسن له وضعه المعيشي لا عما يزيد من تدهور أوضاعه الإقتصادية

إذاً لما هذا التخبط و لما هذا الجنون في الإعلام و لما التصعيد على الأرض من قبل العصابات المسلحة و لما مجزرة الحولة في هذا التوقيت بالتحديد و أخيراً ليس أخراً لما الأن و بعد عام و أكثر على إنطلاق الأحداث يتم طرد السفراء السوريين و ليست النهاية هنا فالمحتم أن الأسابيع المقبلة ستحمل المزيد من التصعيد و الضغوطات و لكن كلها لن تتخطى سقف الخطوط الحمر التي رسمها الفيتو الروسي الصيني المشترك.

يستطيع أي مراقب لمسار الأزمة السورية أن يلحظ أنه و قبيل الإجتماع الذي عقد في العراق بين إيران و مجموعة 5+1 و ما رافقها من أجواء إيجابية كان هناك نوع من التبريد على الجبهة الدمشقية فسكت الغرب و أصيب الأتراك بداء الخرس و بات الخبر اليومي عن سقوط العشرات بحسب ما تدعيه تنسيقيات ما تسمى بالثورة لا يستدعي إدانة دولية و لا بيانات تحريضية و لا إجتماعات للجامعة العربية فيما كان أمير قطر ينصب إهتمامه نحو فلسطين و يتصدر عناوين نشرات الأخبار تصريحات من كل حدب وصوب تؤكد على ضرورة إنجاح مبادرة أنان و إعطائه المزيد من الوقت لتطبيقها و لما دخل لبنان على خط التصعيد العسكري في الشمال خرج سعد الحريري من منفاه الذي إختاره هو بملئ إرادته ليدعو الى التهدئة و ضبط النفس و معه فؤاد السنيورة و هذا تعبير واضح عن أجواء فرضتها علاقات الإثنين بدوائر القرار في الخارج بمعزل عن عنتريات خالد الضاهر و معين المرعبي التي تصطنعها مصالح إنتخابية و طلب من نجيب ميقاتي الذي يحافظ على خط إتصال ساخن مع دوائر صنع القرار بحل قضية شادي المولوي مع ضمانة عدم إتهامه غربياً بأنه محامي دفاع إرهابيين و هذا ما حصل فعلاً .

جلس المفاوضون على طاولة مستديرة في العراق إتفقوا على شيء و إختلفوا على أشياء ففهم كل طرف منهم أن التسوية لم تنضج الى الأن و المطلوب هو الوصول الى الحد الأدنى من التوافق عبر تنازل تقدمه إيران و تراجع تقدم عليه المجموعة الغربية و فهم الروسي أنه يمكن الوصول الى حل يرضي الطرفين و هو لو لم يكن مقتنع بهذا لما بادر الى إستضافة اللقاء التفاوضي الشهر القادم على أراضيه في محاولة منه لأن يتصاعد الدخان الأبيض و هو يريد أن يحقق لنفسه إنتصاراً ديبلوماسياً يثبت فيه أنه لاعب عاد الى قوته التي عرفت عنه ما قبل إنهيار الإتحاد السوفياتي و هنا فهم كل طرف أن يحسن لعب كل أوراقه و ممارسة كل أشكال الضغط لإرضاخ الطرف الأخر قبل الجلوس على الطاولة من جديد الشهر المقبل و فجأة تحول ملف الرهائن اللبنانيين من ملف وصل لخواتيمه السعيدة ليتحول و بسحر ساحر بعد ساعات من تعثر المفاوضات في العراق لغز يصعب فكه فتنصل الأتراك مما أعلنوا عنه لجهة وصول الرهائن الى أراضيهم و من ثم جاءت الأوامر بالتصعيد على الأرض السورية و لا يكون منطقي أو يملك بعد نظر من يعتقد أن هناك رصاصة واحدة تطلق من قبل مسلح إذا لم يكن هناك قرار خارجي بهذا الشأن فالمسألة لا تتعلق بمغرر بهم يمارسون دور الممثل الذي يحدد دوره المخرج فيدخله الى المشهد ساعة يشاء و يميته ساعة يشاء و هنا كانت مجزرة الحولة التي بات واضح لدى الكثير من الجهات هوية و إنتماء من سقطوا فيها ضحايا و يكفي لمعرفة الجاني متابعة التناقض الحاصل منذ اللحظة الأولى في بيانات ما يسمى الجيش السوري الحر الذي تحدث بادئ الأمر عن قصف من خارج القرية من قبل الجيش النظامي أدى لحصول المجزرة ليتبين لاحقاً و بإعتراف الأمم المتحدة أن تصفية الضحايا تمت عن قرب بما يشبه الإعدام المنظم فيسارع رئيس بعثة المراقبين ليدعم إتهامات المعارضة و يخرج عصاباتها المسلحة من المأزق الذين وضعوا أنفسهم فيه و ينسب الجريمة الى ميليشيا محسوبة على النظام إرتكبت المجزرة في سيناريو يشبه ما كان يحصل في لبنان بين العامين 2005 و 2008 حيث كان يقدم النظام السوري في كل مرة يكون هناك جلسة لمجلس الأمن لإدانته على إغتيال شخصية من فريق 14 أذار في هدية مجانية منه لصالح أعداءه.

و تبع المجزرة حملة شعواء في الإعلام و على صفحات الجرائد و إستفاقت المشاعر الإنسانية حتى عند كبير المجرمين شمعون بيريز و ظهر فجأة الطيب أردوغان ليعيد تكرار المكرر و يتحف الناس بمقولته التي تضع لصبر العالم حدود و يتنادى العرب لإجتماع و تبدأ عدوى طرد السفراء السوريين و يستخدم الإعلام أجزاء من تصريحات لافروف للإيحاء بتبدل طرأ على الموقف الروسي من أزمة حليفتها سوريا و لكن يبدو أن هناك من لا يزال يعتقد أن الأميركيين و حلفائهم وحدهم من يجيدون لعب السياسة الخبيثة فيما الذي بدأ ممارسة السياسة قبل أسبوع من الأن يعرف أن كل ما في الأمر هو محاولة لدفع إيران تقديم تنازلات في الإجتماع القادم حتى يحقق أوباما نصراً جديداً قبيل الإنتخابات فيضم حل المسألة الإيرانية الى إنجاز تصفية بن لادن في بيانه الإنتخابي و هم أجلوا إطلاق سراح الرهائن اللبنانيين لممارسة الضغط على القيادة الإيرانية عبر ذراع حليفهم الإستراتيجي حزب الله كما أنهم إرتكبوا مجزرة الحولة لغرض إتهام النظام في سوريا ليصلوا الى طرد سفرائه في محاولة مكشوفة منهم لدفع الروس نحو الضغط على إيران للوصول الى الحد الأدني من التفاهم بغرض إنقاذ الحليف الإستراتيجي للكرملين تجنباً من إزدياد عزلته الدولية و الحرج الروسي أمام الدماء التي تسيل.

لكن ماذا بعد؟ و الجواب المنطقي هو : لا شيء ,فكل الأوراق رماها الغرب في لعبة الضغط و طرد السفراء تأتي في سياق القنبلة الصوتية ، فوجود هؤلاء منذ بداية الأزمة لم يعد يجدي نفعاً لطالما لا أحد يريد أن يصدق ما يقولوه و لطالما أن النظام الذي يمثلوه بالنسبة لهم غير شرعي و أما تفسير كلام لافروف عن أنه بداية تراجع فهو يأتي في سياق ما يتمنى هؤلاء لا كتعبير عن ما يريد إيصاله وزير الخارجية الروسية الذي يبلغهم و لو بطريقة غير مباشرة إستعداد بلاده الى تسوية هم يبحثون عنها و يطمحون إليها فلا داعي للمراوغة.

ستحمل الأسابيع القادمة معها الكثير من التصعيد و القليل من المنطق فالكل سيرمي أوراقه و الحديث عن دماء سيزداد و ستسمر محاولات أبلسة النظام و تشويه صورته و لن تترك مذمة و لا فعل شائن إلا و ستلصق به و سيكثر الحديث عن مظاهرات ضخمة و إنشقاقات و مقتل قادة كبار و لكن كل هذا يأتي في سياق واحد :الضغط قبل التفاوض و أما بالنسبة لسوريا و معها روسيا و إيران فلا داعي للمشاركة في حفلة الجنون تلك فبابا عمرو لم تعد موجودة و إدلب تدخل في كنف الدولة و المسلحين يخسرون في كل يوم و الشعب بات يعي حجم المؤامرة و التلفيق و بالتالي إذا جن عدوك فعليك بالتفرج على جنونه و الضحك على ولدناته و المهم أنه كلما إشتدت الأزمة كلما إقترب الفرج

مقالات بانوراما الشرق الاوسط

تعليقات

  1. ويمكرون ويمكر الله ان الله خير الماكرين

    تحليل منطقي للموقف وصحيح
    ولكن استفسار
    إبتداءا قناعتي الشخصية ان مجزرة الحولة مدبرة ارهابيا من التكفيريين والأمريكيين الذين هم أستاتذة في القتل وتأليب الرأي العام
    كيف تحدث مجزرة بوجود الجيش والأمن ؟
    ولماذا لايحسم الجيش؟

    الرد
    0 0
  2. الناقد الصحفي

    أول أسس ومبادئ المهنية في عالم الإعلام الإلكتروني أنه عندما ننقل مقال عن موقع آخر نشير الى مصدره … هذا المقال كتبه علي حجازي خاص لموقع الخبر برس … هذا الموقع الذي عندما ينقل مقالاتكم يشير الى مصدرها نانوراما الشرق الأوسط في أول الصفحة …. الرجاء الإشارة أول الصفحة
    علي يوسف حجازي – الخبر برس

    الرد
    0 0
  3. الناقد الصحفي

    أنا يا جماعة ما خصني بالخبر برس ولكن قرأته عبر الخبر برس وقد نشره الأخ على حجازي على صفحته من موقع الخبر برس، وهو الذي قال خاص الخبر برس أنا من باب الحرص فقط قلت ما قلت .. عذرا منكم أيها الأحبة

    الرد
    0 0
  4. هذا الذي يحدث في سوريا هو نفس السيناريو الذي استخدم في افغانستان و هو زراعة الجماعات الارهابية في قلب العالم العربي لتمزيقه و اشعال العرب عن قضيتهم الاساسية فلسطين و قد يمتد دمير سوريا إلى عدة دول مثل تركيا و الاردن و مصر و دول الخلبج و اليوم نجد دول الخليج تدفع فاتورة هذه الجريمة و ما الجيش الحر و الجماعات الارهابية إلا كبش يستخدم لقتل الشعب السوري .

    الرد
    0 0

اضافة تعليق

*