خيط رفيع يربط بين «مصيريّة» الإنتخابات المصريّة والأزمة البحرينيّة وأحداث طرابلس

خيط رفيع يربط بين «مصيريّة» الإنتخابات المصريّة والأزمة البحرينيّة وأحداث طرابلس

خيط رفيع يربط بين «مصيريّة» الإنتخابات المصريّة والأزمة البحرينيّة وأحداث طرابلس
رسالة الأسد التحذيريّة تهدف الى منع «الخصوم» من التعويض عن خسائرهم
دمشق لن تتنازل عن الإنجازات في لبنان ولن تسمح بإدخاله في بازار المساومة

   ابراهيم ناصرالدين

تحذير الرئيس السوري بشار الاسد من انتقال اعمال العنف الى الدول التي تصدره الى سوريا، ليس بالامر الجديد وهو كلام علني قيل سرا عبر القنوات الديبلوماسية منذ اشهر وتبلغت به عدة قوى اقليمية متورطة في الاحداث السورية، وقد تكون اكثر القنوات فعالية في هذا السياق القناة الايرانية التي اوضح مسؤولوها خلال لقاءات ثنائية مع دول خليجية وكذلك تركيا بأن تفعيل تسليح «الثورة» السورية سيؤدي حتما الى تفعيل مشابه «للثورات» الاخرى في المنطقة. اذا ما هو الجديد في كلام الاسد؟ ولماذا اعاد التذكير بهذه المعادلة اليوم؟ وهل من رابط بين ما يحصل في طرابلس وبين هذه المعادلة؟

التوقيت له اهمية خاصة في الكلام الصادر عن الرئيس السوري، وبحسب اوساط مطلعة على هذا الملف، فأن هذا التحذير ليس نابعاً من فراغ وهو مرتبط بسلسلة تطورات واحداث تتعلق بالتطورات الميدانية السورية، وكذلك بسلسلة من الاستحقاقات المهمة في المنطقة، منها المفاوضات الايرانية النووية مع الغرب في نهاية الجاري، ووضع دول الخليج حجر الاساس لقيام وحدة ستبدأ بين السعودية والبحرين، وكذلك الانتخابات الرئاسية المصرية التي ستحدد نتائجها بوصلة مصر في السنوات المقبلة ودورها في الازمات المفتوحة في المنطقة.

هذا الربط بين ماهو ميداني وسياسي ضروري لمعرفة حقيقة ما يجري في «المطابخ» السياسية الاقليمية، ووفقا للمعطيات فان الرئيس السوري وجه رسالة واضحة الى من يعنيهم الامر بأن المحور الذي يمثله يشعر اليوم اكثر من اي يوم مضى بأنه قادر على نقل المعركة الى ساحة «الخصوم»، وهو اراد كبح جماح المتورطين بالاحداث السورية من خلال تذكيرهم بخطوط حمراء يصعب على محور المقاومة ان يتعايش معها طويلا،في ظل معلومات متوافرة تؤكدها التطورات المتسارعة في المنطقة، وجميعها تشير الى اتجاه تلك القوى الى رفع الضغوط على اكثر من جبهة، وفي اكثر من ملف.

وترى تلك الاوساط ان ما يحصل في شمال لبنان هو جزء اساسي من «تحرك خصوم سوريا»، وسط معلومات تشير الى نية القوى الاسلامية ومن يرعاها اقليميا للتعويض عن «ضبابية» نتائج المعركة في سوريا، من خلال اضعاف الجبهة اللبنانية المؤيدة لدمشق، واستعادة ما خسرته قوى 14 اذارعبر البوابة السلفية، وابرز الادلة على ذلك ما تسرب خلال الساعات القليلة الماضية حول وجود مجموعات متطرفة تريد استهداف شخصيات لبنانية محددة،وكذلك القيام بعمليات تخريبية، وفقا للنموذج العراقي والسوري، وقد اعطى هروب المطلوبين الاسلاميين الملاحقين من مخيم عين الحلوة، مصداقية كبيرة لهذه المعلومات، لان مغادرة هؤلاء تعني انهم مكلفون بمهمات تنفيذية، تصعب ادارتها من داخل المخيم، وهذا ما يفسر الاستنفار غير المسبوق لدى مختلف الاجهزة الامنية التي تستشعر ان ما يحصل الان هو المرحلة الاكثر دقة وخطورة منذ بداية الازمة في سوريا.

وفي هذا السياق يأتي كلام الرئيس السوري ليشير الى حساسية الملف اللبناني بالنسبة الى دمشق، فهي تعتبره احد الخطوط الحمراء الذي لن تسمح لخصومها باستعادته، او محاولة نشر الفوضى لاضعاف موقف حلفائها، وهي تعتقد ان ما يحصل في الشمال احياء لمشروع قديم تسعى من خلاله بعض القوى الاقليمية للتعويض عن خسارتها في العراق، وفي سوريا بعد خسارتها الرهان على سقوط النظام في سوريا، وخسارة حلفائها للسلطة في لبنان. ويأتي في هذا السياق كلام رفعت عيد عن حتمية تدخل الجيش السوري في احداث الشمال، واذا كان تحذيره يفتقد للموضوعية بحكم معرفته ومعرفة الجميع ان سوريا لن تستدرج الى «فخ» في لبنان يشرع ابواب التدخل الدولي في ازمتها، ولكنه يحمل رسالة واضحة، للدلالة على اهمية الملف اللبناني في الاجندة السورية، وبكلامه يريد منع تفاقم الوضع وليس تصعيد الموقف، لكنه اوصل رسالة حازمة الى من يعنيهم الامر بأن ما يحصل بات مكشوفا، ولا يمكن لحلفاء سوريا ان يسمحوا بعودة الامورالى الوراء، واي استخدام للساحة اللبنانية في استدراج العروض القائم في المنطقة سيكون دون جدوى لان الملف اللبناني سبق وتم اخراجه من هذا البازار عندما «طردت» قوى 14 اذار من السلطة، ولذلك لا مساومة على الملف اللبناني.

محاولة اخراج لبنان من هذا البازار «الساخن»، يتزامن مع فتح سوق البيع والشراء في اماكن اخرى، وتشير تلك الاوساط الى ان الرئيس الاسد مطلع على ما يحصل بين الولايات المتحدة وايران، ومع اقتراب المفاوضات النووية في 23 الجاري في بغداد، تحاول كافة الاطراف جمع اوراق القوة بين ايديها لان ما سيخرج عن تلك الاجتماعات ستكون له انعكاسات «نووية» واخرى مرتبطة بكافة الملفات الساخنة، وبغض النظر عما يمكن ان تسفر عنه هذه المحادثات من نتائج، فأن مجرد سعي الطرفين الايراني والاميركي الى اشاعة اجواء تفاؤلية، يعني ذلك ان رغبة الوصول الى الحد الادنى من التفاهم موجودة، اقله على تجميد الملفات الخلافية مرحليا. هذا الامر يقوي موقف الرئيس السوري المدرك لحجم الانزعاج القائم لدى حلفاء واشنطن في المنطقة،وهو بموقفه الاخير يرفع سقف التحدي مع تلك الاطراف مستفيدا من خلاف الخصوم حول الاولويات، وكذلك من موقف ايراني حاسم لا يقبل «المزاح» بشان الاتحاد المزمع بين السعودية والبحرين، وتأتي اللغة القوية للاسد بالتزامن مع الرسالة الديبلوماسية الشديدة الصادرة من طهران والتي ستبلغ ذروتها اليوم بالتظاهرات الشعبية المنددة بهذه الخطوة.

وبحسب ما هو متوافر من معطيات، فأن التشدد الايراني والسوري في هذا الملف يحمل ايضا رسالة مهمة لجهة رفض اي حل احادي الجانب لهذا الملف الساخن، وقد فهم من يعنيهم الامر ان «تعويض» الخسائر لن يمر في لبنان ولا في اي بلد اخر، واي محاولة لخلق وقائع لن تكون متاحة، بمعزل عن ايجاد تسويات للملفات الاخرى، واي تعنت في هذا الاطار ستكون له انعكاسات سلبية تطال الجميع،وستخرج «اللعبة» عن السيطرة.

وعلى رغم اهمية هذه الملفات وحساسيتها، تشير الاوساط نفسها الى ان «الكباش» الحقيقي الدائر اليوم بين مختلف القوى يدور على الساحة المصرية، حيث الصراع على اشده اقليميا ودوليا على الانتخابات الرئاسية، ولان هذا الاستحقاق الهام سيعيد رسم التوازنات في المنطقة، فان «خصوم» سوريا وايران يخوضون هناك ايضا معركة تعويض نظام مبارك، ومعركة تعويض الخسائر في المنطقة، فاما تذهب القيادة المصرية الى مرشح مدعوم من واشنطن وحلفائها، والمقصود هنا احمد شفيق وعمرو موسى، وهذا سيجعل من السياسة الخارجية المصرية مجرد استنساخ عن عهد مبارك،خصوصا في ملفات حيوية تتعلق بالعلاقة مع اسرائيل، والعلاقة مع ايران،والازمة في سوريا، واما تذهب الرئاسة الى شخصية اسلامية، ولا اهمية للاسم عندها، لان هذا الامر بنظر محور المقاومة سيشكل ملفا جديدا يضاف الى ملفات الانجازات المحققة على الخصوم. وستكون له انعكاسات ايجابية على طاولة المفاوضات حين تنضج ظروفها.

ومن هذا الترابط الوثيق في الملفات والتطورات في المنطقة، يمكن فهم خلفية الرسائل السرية والعلنية المتبادلة بين اطراف النزاع، وكلما اقتربت مواعيد الاستحقاقات تكثر المناورات، بعضها سيكون مؤلما، وستبقى الازمات مفتوحة على مصراعيها، سيعاني المصريون كثيرا للحفاظ على ما تبقى لهم من فتات الثورة، وسيموت المزيد في البحرين بانتظار نهاية «لعبة الامم» كما سيموت المزيد من السوريين، وسيموت ايضا المزيد من ابناء الشمال اللبناني على مذبح تلك الصراعات، مع الامل بألا يموت اخرون في غيرها من المدن، وكذلك في العواصم العربية،قبل نضوج تسوية يبدو ان مخاضها عسير للغاية.

الديار

اضافة تعليق

*